استفحال عمالة الأطفال في عدن.. إلى أين ؟ "تقرير خاص"
"الأمناء" تقرير/ فواز الحيدري:

حذر خبراء وناشطون من احتمال ارتفاع نسبة عمالة الأطفال نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية بسبب الحرب، بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار، موضحين بأن مستقبل الأطفال في خطر لأنهم يضطرون لمغادرة مدارسهم في سن مبكرة.

وقالوا - في أحاديث متفرقة مع "الأمناء" - إن الخطر، في أسوأ أشكاله، في عمالة الأطفال أنه جزء من ثقافة المجتمع اليمني، والأخطر من ذلك أنها تكرس لدى الناشئة بأنها ضرورة ملحة لاكتمال الرجولة وتمام الشخصية.

"الأمناء" سلطت الضوء على هذه الظاهرة، فأجرت التقرير التالي:

 

تحديد ظاهرة عمالة الأطفال

عمالة الأطفال تحظى باهتمام واسع من المجتمع العربي والدولي وتوثر سلبا على الأسرة والمجتمع، ويعتبر القطاع الخاص هو أكثر القطاعات المستوعبة للأطفال العاملين.

وعند نزولنا في جولة استمرت أكثر من أسبوع إلى مناطق مختلفة في محافظة عدن، وجدنا أن أكثر الأطفال يعملون في أعمال مضنية، وقلة منهم يصابون بإصابات خطرة، مثل الإصابة بحروق أو بصدمات كهربائية أو بأخطار مختلفة، وتعتمد الأخطار تلك على حسب العمل ومكانه، فمواقع البناء – مثلاً- يشتغل فيها الأطفال برفع الأحمال الثقيلة التي قد تؤدي إلى كسور أو إعاقة في النمو.

وعمل الأطفال في الورش الهندسية لفرامل السيارات قد يعرضهم لمادة (الحرير الصخري) وهو مسبب معروف للسرطان الآدمي، وكذا الأطفال الذين يعملون في محطات البترول الخاصة والذين يعملون في مرآب السيارات والمواقع الصناعية والحدادة والمناشير الحجرية، وكل ذلك يعرض الأطفال إلى الأمراض التنفسية والهواء الملوث بالغبار والأبخرة الخطيرة والمشكلات العضلية.

أسباب ظاهرة عمالة الأطفال

لعل ما سنورده ليس كل الأسباب بل بعضها، وهي في مجملها عوامل اقتصاديه واجتماعية متداخلة ومعقدة، أهمها ارتفاع معدل نمو السكان والإعالة والبطالة والتضخم وضعف شبكة الأمان الاجتماعي وجهود المجتمع المدني.

فيما يُعد الفقر دافع رئيسي لوجود الطفل في العمل، خاصة إذا ما عرفنا أن السكان تحت خط الفقر، هم من أكثر عمالة الأطفال، إلى جانب قصور وتناقض التشريعات ذات الصلة وعدم تطبيق ما أقرتها بشأن وضع الطفل وظروف عمل الأطفال.

 

تدابير إجرائية لظاهرة عمالة الأطفال

الناشط محمد علي عمر صالح، قال: "لا تستطيع الحكومة لوحدها معالجة هذه الظاهرة إلا في إطار الجهد التنموي المتكامل والمنظم وبالشراكة مع منظمات المجتمع المدني للتخفيف منها ومواجهتها بالعديد من التدابير، أهمها دراسة متعمقة حول ظاهرة عمالة الأطفال وأسبابها. ووضع عدة دراسات وسياسات بديلة لعمالة الأطفال، وأن يكون للتعليم الفني والتدريب المهني دوراً في توفير الرعاية والدراسة والتأهيل".

وأضاف لـ"الأمناء": "ويجب العمل على توفير بيئة صحية وآمنة للأطفال العاملين والحد من استغلالهم في المهن الشاقة والخطيرة بصحتهم، وتفعيل برامج شبكة الأمان الاجتماعي واستهداف الفئات الفقيرة الأكثر تضرراً من  الحروب والتردي الاقتصادي، والتوعية المجتمعية عبر وسائل الإعلام المختلفة بمخاطر عمالة الأطفال على صحتهم ونموهم النفسي والجسدي وتحصيلهم العلمي".

 

طفل يقبع تحت وطأة الأعمال الشاقة

الطفل أحمد نبيل (11 سنة - الصف الخامس)، يتمنى أن يهتم بدراسته فقط ولا يسعى خلف العمل الذي يأخذ من وقته الكثير، الأمر الذي جعله لا يهتم بدروسه ولا يلتزم بواجباته المدرسية أسوة بزملائه الآخرين الذين يعتمدون على أولياء أمورهم في توفير كل متطلباتهم المدرسية بعكس الطفل أحمد الذي يساعد والده في توفير ما يلزم للدراسة والمصاريف اليومية لعائلته.

إن غلاء المعيشة سبب رئيسي في دفع العشرات من الأطفال للعمل في الأماكن الخطرة رغم المبالغ الزهيدة التي يتقاضونها مقابل ذلك، إلا أنهم يرون أن المبلغ وإن كان قليلا فسيغطي ولو مصروف يوم.

فهذا يوسف أحمد عبده الذي لم يدرس نهائيا والتحق بالعمل مبكرا جدا، وذلك بعد أن دفعه الفقر والعوز إلى العمل  لتوفير المال والمصاريف التي تحتاجها أسرته المكونة من الأب المقعد والذي لا يقوى على العمل بتاتا والأم الكبيرة بالسن وإخوانه السبعة وقد تحمل العبء الثقيل على كاهله الصغير.

يقول يوسف لـ"الأمناء": "أشتغل هنا في محافظة عدن بأعمال (الحجر والطين)، يوم أشتغل حمالاً أنا ومجموعة من العمال، ويوم آخر أعمل في الحفريات أو في الصبة الخرسانية. والحمد لله في خلال عشرة أيام أرسل لأهلي مبلغ ( 15000) ريال وبعض الأحيان لا أستطيع توفير أي مبلغ، ولكن إذا لم أشتغل من سيعطينا مصاريف؟ ومن سيصرف على أهلي وإخواني؟".

أما الطفل عاطف عبده فقد حرمه أهله من الدراسة وذهبوا به إلى سوق العمل، يوم يعمل حمالا ويوم آخر يعمل مساعد بناء، ويوم آخر يعمل كعامل عضلي، غير آبه بالأضرار التي تلحق به والمخاطر التي يتعرض لها، وذلك ما حدث له أثناء رفع الأحجار ونقلها إلى مكان البناء الذي يبعد عشرات الأمتار من موقع الأحجار، في حين سقطت فوق قدمه حجرة لم يستطع حملها وأدت الى جرحه وقضى على أثرها أسبوعاً في المستشفى.

 

بشاعة استخدام الأطفال في أعمال خطرة

يتعرض الأطفال لأسوأ أشكال العمالة، فعمالة الأطفال تتخذ أشكالاً متعددة وأعمالا متنوعة، وكلها تؤدي إلى أضرار خطيرة وبالغة عليهم، فلم يدر بخلد أبو (عبد نصر) ابن الحادي عشر ربيعا، والذي يعاني من ورم خبيث في رأسه، أن دفعه لحفيده الصغير للعمل معه في مزرعته في رش المبيدات الكيماوية ( المايعة - ابو هنده) سيجعله يعض أنامل الندم على كل لحظة كان يشعر بها بالزهو وحفيده يقوم بمساعدته ويعمل معه في الحقل ليعرضه لخطر كبير.

يقول نصر أحمد (أبو الطفل عبده)، في حديثه لـ"الأمناء": "كنت آخذ ابني الكبير وأطلب منه رش المبيدات معي على أشجار القات وكنت أستمتع بذلك كثيراً ولم أكن أتوقع أن يصاب ابني بهذا الشيء الذي لم نكن نسمع به من قبل".

ويعترف بالقول: "إن المبيدات التي كنت أستخدمها في زراعة القات كانت السبب وراء إصابة ابني كما أخبرني الأطباء، ولذلك قد أصبت بمعاناة نفسية شديدة وشعرت بتأنيب الضمير وبعد أن تأكدت من خطر هذه المبيدات قررت الامتناع الكامل عن استخدام المبيدات الزراعية".

 

الجهل والفقر والحرب

الدكتور مهيوب سنحان خالد عامر، سرد الأسباب التي أدت إلى انتشار وتوسع عمالة الأطفال في اليمن بالقول: "أهم الأسباب هو الجهل، ففي البيئة أو المناطق التي ينتشر فيها الجهل نجد أنه يتوجب على الطفل العمل لتلبية بعض احتياجاتهم وبناء شخصياتهم".

وأضاف لـ"الأمناء": "وأيضا الفقر في الأسر الفقيرة نجد أن الأطفال يتجهون إلى العمل وذلك ليوفروا بعض متطلبات الحياة لأسرهم، بالإضافة إلى الحرب، فالحرب الدائر في البلاد، أدت إلى زيادة معاناة المجتمع وخاصة الأسر ذات الدخل المحدود أو الفقيرة، وهذا بدوره أدى إلى توجه الأطفال إلى سوق العمل، وقد زاد انتشارها في الوقت الحالي بسبب الحروب الدائرة في البلاد".

وتابع: "في الوقت الحالي والحرب مستمرة والوضع الاقتصادي للبلد متدهور فلا يوجد أي حلول، ولكن إذا توقفت الحرب فستوجد الحلول للمنع والحد من انتشار عمالة الأطفال".

واستطرد سنحان: "يجب على الحكومة العمل على تنفيذ استراتيجية شاملة للتخفيف من الفقر والتركيز على تحسين وضع الطفولة من خلال زيادة مخصصات الطفولة وما يرتبط من المخصصات الأخرى كالتعليم والصحة والموازنة العامة وتوسيع شبكة الضمان الاجتماعي إضافة إلى تشجيع الأسر الفقيرة على إنشاء المشاريع الصغيرة بما يساهم في رفع مستوى دخلها ويقلل من الحاجه لعمل الأطفال ".

 

نداء عاجل

من جانبهم، وجهت بعض الشخصيات الأكاديمية والنشطاء نداء عاجلا للجهات المعنية بضرورة تفعيل القوانين الخاصة بعمالة الأطفال وتشديد الرقابة على الجهات التي يعمل لديها الأطفال وتطبيق العقوبات عليها في حال مخالفتها.

متعلقات
حنكة وبطولات الجنوب تردع مؤامرات الشرعية
الحزام الأمني بعدن ينفي اخبار متداولة عن احتراق طقم تابع لقواته
صحيفة بريطانية تروي قصص جرائم مروّعة تعرض لها الأطفال بتعز
الرصاص الراجع تقطع التيار الكهربائي 22 ساعة عن منطقة الهاشمي
انا انسان .. فعالية لعرض مواهب متلازمة داون تلقى نجاحا كبيرا في منارة عدن